صفي الرحمان مباركفوري
246
الرحيق المختوم
تضاعف ضغط المشركين كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن ، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم ، وزاد ضغطهم على المسلمين ، حتى سقط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها ، فجحشت ركبته ، وأخذ علي بيده ، واحتضنه طلحة بن عبيد اللّه حتى استوى قائما ، وقال نافع بن جبير : سمعت رجلا من المهاجرين يقول : شهدت أحدا ، فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسطها ، كل ذلك يصرف عنه ، ولقد رأيت عبد اللّه بن شهاب الزهري يقول يومئذ : دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى جنبه ، ما معه أحد ، ثم جاوزه ، فعاتبه في ذلك صفوان ، فقال : واللّه ما رأيته ، أحلف باللّه أنه منا ممنوع . فخرجنا أربعة . فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله ، فلم نخلص إلى ذلك « 1 » . البطولات النادرة وقام المسلمون ببطولات نادرة وتضحيات رائعة ، لم يعرف لها التاريخ نظيرا . كان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويرفع صدره ليقيه عن سهام العدو . قال أنس : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو طلحة بين يديه مجوب عليه بحجفة له ، وكان رجلا راميا شديد النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا ، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل ، فيقول : أنثرها لأبي طلحة . قال : ويشرف النبي صلى اللّه عليه وسلم ينظر إلى القوم ، فيقول أبو طلحة : بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك « 2 » . وعنه أيضا قال : كان أبو طلحة يتترس مع النبي صلى اللّه عليه وسلم بترس واحد ، وكان أبو طلحة حسن الرمي ، فكان إذا رمى تشرف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فينظر إلى موقع نبله « 3 » . وقام أبو دجانة أمام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فترس عليه بظهره ، والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك . وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص - الذي كسر الرباعية الشريفة - فضربه بالسيف حتى طرح رأسه ، ثم أخذ فرسه ، وسيفه . وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه - عتبة هذا - إلا أنه لم يظفر به ، بل ظفر به حاطب .
--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 97 . ( 2 ) صحيح البخاري 2 / 581 . ( 3 ) نفس المصدر 1 / 406 .